الشيخ السبحاني

37

مفاهيم القرآن

أنبيائهم معاصي كثيرة ، والعهد القديم يذكر ذنوب الأنبياء التي يصل بعضها إلى حد الكبائر ، وربّما يخجل القلم عن ذكر بعضها استحياء ، فالأنبياء عندهم عصاة خاطئون ، وعند ذلك لا تكون أحبار اليهود مبدعين لهذه المسألة . نعم انّ علماء النصارى ، وإن كانوا ينزهون المسيح من كل عيب وشين ، ولكن تنزيههم ليس بملاك انّ المسيح بشر أرسل لتعليم الإنسان وإنقاذه ، بل هو عندهم « الإله المتجسد » أو هو ثالث ثلاثة . وعند ذلك لا يمكن أن يكون علماؤهم مبدعين لهذه المسألة في الأبحاث الكلامية ، لأنّ موضوع العصمة هو « الإنسان » . ويذكر « المستشرق رونالدسن » في كتابه « عقيدة الشيعة » انّ فكرة عصمة الأنبياء في الإسلام مدينة في أصلها وأهميتها التي بلغتها بعدئذ ، إلى تطور « علم الكلام » عند الشيعة وأنّهم أوّل من تطرق إلى بحث هذه العقيدة ووصف بها أئمتهم ، ويحتمل أن تكون هذه الفكرة قد ظهرت في عصر الصادق ، بينما لم يرد ذكر العصمة عند أهل السنة إلّا في القرن الثالث للهجرة بعد أن كان الكليني قد صنّف كتابه « الكافي في أُصول الدين » ( « 1 » ) وأسهب في موضوع العصمة . ويعلّل « رونالدسن » بأنّ الشيعة لكي يثبتوا دعوى الأئمّة تجاه الخلفاء السنيّين أظهروا عقيدة عصمة الرسل بوصفهم أئمّة أو هداة . ( « 2 » )

--> ( 1 ) . لقد توف - ي محمد بن يعقوب الكليني في العقد الثالث من القرن الرابع أي عام 328 ه - ، فلو استفحلت مسألة العصمة في القرن الثالث عند أهل السنّة حسب اعتراف الرجل ، فكيف يكون كتاب الكافي منشئاً لهذه الحركة الفكرية ، أفهل يمكن تأثير المتأخر في المتقدم ، وهل يكون العائش في القرن الرابع مؤثراً في فكر من يعيش في القرن الثالث ، أضف إليه أنّ كتاب الكافي لم يؤلف في الأُصول وحدها ، بل هو كتاب مشتمل على أحاديث تربو على ستة عشر ألف حديث حول أُصول الدين وفروعه . ( 2 ) . عقيدة الشيعة : 328 .